“هناك حيث يتناثر الحب”

يُخيل إليكَ وأنتَ تدخل المكان بأنكَ ستخرجَ منه كما دخلتَهُ أول مرة، مجرد نزهة صغيرة أو لحظة عابرة طلبها القلبُ فضولاً ولباها العقلُ إحتراماً.
لكن ثمة شيئاً غير متوقع لكل ما هو مُرتقب الحدوث، فما أن تدخل إليها حتى يُحاصركَ الجمالُ من كلِ حدبٍ وصوب، جمالٌ أسِرْ لا قيد ولا حد له.
هنا تصفعُك الإجابةُ وتنسِفُ كل أفكارك السابقة التي كانت متجذرة  في أعماقِك، فَتَعِي سبب حب الكثيرين وتعلقهم الشديد بها، وأنت الذي كنت تندهشُ دائماً كيف لإنسانٍ من وجدان وروح أن يتعلقَ بجمادٍ زائل لا قلب ولا روح له.
يقاطع رجوعك في الزمنِ رجل عجوز قد بلغَ به الكبر ما بلغ، ولكن يُفاجئكَ بروحِه الفتيّة، يُذكرك بأيامِ صباه، ويُحدثك عن تاريخِ كل حجرٍ مركونٍ هنا وهناك، يدعوكَ لشربِ كوبٍ من القهوةِ بفنجانٍ ذي نقوش ملونة وعتيقة، قهوةٌ ليست كمثيلاتها فهي مصنوعة من دفئ القلب وحب الضيافة. يُشغل لك الراديو الذي تعصلجت أزراره من شِدة قِدمه، لكن صوتَه لا زال يصدح في الأرجاء ذاهباً بأصدائه الى ما بعد المكان نفسه.. طوال جلوسك تبقى متسمراً من هولِ ما رأيت، فأنت الذي كنت تظن في البدء بأن قد إجتاح النسيان ذاكرته.
وأنتَ تميل رأسكَ في الإتجاهاتِ المختلفةِ، يأتيكَ صوتٌ خلفي خافت لإمرأةٍ تجلس على كرسيِها تحت أشعةِ الشمس، وهي التي تتخذ من جلستِها هذه طقس من طقوسِها اليومية بعد أن غدت وحيدة.. تقول لك
” من هون يا بنتي”، تُصحح لك الإتجاه كما تُصححه للعديدِ من الوافدين الجُدد، فهي تملك الحنكةَ الكافيةَ لكي تعرف ما يجول في خاطرك، فتُجاوبك قبل أن تسألها.
تُرعبك قطةٌ تعترض طريقك فجأة، وهي التي كانت تختبئ مختلسة وقد تمازجَ لونها مع لونِ الحائطِ المائلِ الى لونِ الكارميل اللذيذة.
تُتابع طريقك متسائلاً عن سببِ إنزعاجها، حتى تكتشف بأنكَ عكرتَ عليها صفو أمومتها وهي ترضع أطفالها.
تَجُول في المكانِ بين بنيان مرصوص يُغريكَ بفرادتِه، حجارة قد نقشَ عليها الزمان ألف حكاية وحكاية، وتجاعيد وجوه تكشف من خلالها أسارير أصاحبها.
 وفي هذه اللحظة تختلج أغنية فيروز ” تحت القناطر، محبوبي ناطر” رأسك، فيُرددها لسانك همساً تارة، وجهراً تارة أخرى.
تتذكر حبيب السنا والرؤى وشامات الزمن، الذي تتمنى أن يجمعكما لقاء ما هنا، أو عِناق حار يقرب بدوره الأرواح حتى تتجانس.
فتطلب من مارٍ في الطريق أن يلتقطَ لك صورة تذكارية تحتل أنتَ نِصفها، وكلك أملاً أن تُعادَ الصورة ذاتها في المرةِ القادمةِ ويحتل فيها الحبيب النصف الأخر.
 ففي “صيدون” لا يمكنك أن تخرج كما تدخل أول مرة♡

Advertisements
قياسي

“الكذب حبله قصير”

يقولون” الكذب حبله قصير”، ولكن إني أعجب من أولئك الذين وصل بهم الكذب إلى مراحل متطورة سبقت إكتشاف العلماء لذرات الكون.
يؤلمني ذاك الكذب المتفشي عند فئة كبيرة من الناس، وكأنه خبز يقتاتون منه لتستمر حياتهم.
يحبكوا القصص والروايات في توليفةٍ كاذبةٍ أكثر من رائعة، وكأنهم وُجِدوا في هذه الحياة لهذه الغاية.
إني لأرى الكذب مرض عضال لا سيما إذا ربط معه أشخاص وأدخلهم في دوامته المهرطقة.
فلانة تزوجت من ابن عمها الذي يعمل في المحاسبة، فجأة لا أدري متى وكيف، يصبح ابن عمها مدير سلسلة فنادق.
وأخر رسب ابنه في الثانوية وللمرة الثانية، ولا يزال مصراً على أن ابنه خليفة اينشتاين والأول على زملائه…
أمٌ تتفاخر بعدد العرسان الذين تقدموا لإبنتها لتثير غيرة جيرانها، وهي نفسها التي تهتُّ إبنتها بمصطلح “عانس”.
ربما أستطيع أن التمس لهذه الحالات وما شابهها عذراً، فكما تعلمون” التمس لأخيك عذراً”. لعلّ الظروف او الخوف من نظرة الناس وتعليقاتهم هي ما تدفع هؤلاء لاقتراف ذلك، مع ان الحقيقة أفضل ولا تُخْجِل .
ولكن العجيب حقا في هذا الموضوع تلك الفئة المتفشية في زماننا، التي تكذب بحرفية عالية ولا تدرِ أو حتى تعترف بأنها تكذب ربما بلغ الكذب عندهم الى مشارف المرض النفسي، او سوء التربية، او نقص المبدأ.
فلقد هانَ على الناس أن يمتهنوا الكذب حتى إذا وجدت أحد منهم صادق وحدثت الناس عنه، يعتريك شعور بأنك تتحدث عن عجائب الدنيا السبع او عن مخلوق يعيش في ما وراء الطبيعة، مع ان الصورة يجب ان تكون مغايرة لهذا الواقع.
أي كذب هذا الذي تتدمر لأجله العلاقات، وتنقطع بسببه الأواصر، وتتشتت نتيجته الأذهان، فيغدو الأصدقاء أعداء، والمتحابين غرباء.
والأصعب من هذا كله تلك اللحظة التي نكره فيها الكذب أشد الكره عندما يكذب فيها قريب كنا نحسبه صِدْيقاً، ومع محاولتنا المستمرة للتبرير بسبب ما نكنهُ من نحب، نجدُ أنفسنا في واحة كذبٍ كبرى ما أنزل الله بها من سلطان.
فإن أثمن طريقة تكفلُ للإنسانِ بأن يعيش رغيد الكرامة هو أن يُظهر للناس ما يبطنه في نفسه، من دون أن ينشغل بحسابات لا قيمة ولا معنى لها، ومن دون أن يؤلف قصص يكون هو البطل فيها.
لذلك، إن كمَ الكذب الذي نصادفه في حياتنا ليس من الصواب أن نقابله برياء أكبر لنعلن انتصارنا على من أمامنا، بل بعمل أخلاقي فيه من الإيجاب ما يمحي الكذب ويرديه قتيلا، وإلا بقيت أفة الكذب تجتاح مجتمعنا من كل حدب وصوب، وهو الذي بأمسِ الحاجة الى الحقيقة. الحقيقة التي لو حارب الكل لأجلها، ما كنا لنصل الى هذا المستوى في النفاق الإجتماعي.
“فالحقيقة حتى ولو مُرة، أفضل من الكذبِ حتى ولو كان جميلا”1

قياسي

إذا كنتِ غير عادية، لا تقبلي برجلٍ عادي

لم تكن حياتي بعادية ولم أكن أنثى عادية، كنت أنثى مفعمة بالحياة والمغامرة، أتوق للمعرفة لأقصى حدود، أحب تعلم كل ما هو جديد، وإكتساب المهارات بالفن والأدب والعلوم والمجتمع.
كان لدي الكثير من الشغف والكثير من الأحلام وتطلعات كثيرة، منها أن ألتقي بشخص يحبني ويشاركني شغفي وأحلامي، لم يكن تطلع بقدر ما هو توقع حتمي سيحصل. لكن هذا لم يحصل البتة، وسقف توقعاتي سقط وذهب هباءً منثوراً، لأن ما حصل كان عكسه تماما دون أن أشعر ربما بسبب شدة الحب.
كان يُخيلُ لي بأني سأذهب للجمعيات، أقوم بدوري الإجتماعي، أمارس هواياتي، أتابع تعليمي العالي بمحاذاة تشجيع زوجي ودعمه، وبأن زواجي سيكون مرحلة إكمال الطموح السابق، لكني بُليت بالخيبة لأن زواجي كان مقبرة دفنت بها طموحي.
كنتُ أظن بأن الزواج سيحثّني أكثر على طلب العلم، وسيجعل مني أنثى مبتكرة تنهض بالمجتمع، وبأنه سيوقد شرارة المعرفة ونزعة العلم في داخلي ولن يجعلها تنطفئ، لكن هذا أيضا لم يحدث.
كنتُ أرفض وبشدة فكرة أن الزواج هو للإنجاب والإستقرار وتربية الأولاد فقط، كنت أراه حياة وتطور وازدهار يكمل ما سبقه من نمو وهيام في حقل المعارف، ولكن حتى فكرتي هذه اكتشفت بأنها خاطئة وبِتُ مؤمنة بالفكرة الأولى، فأنا مهمتي فقط أن أُنجب وأُربي.
لا أنكر بأن شعور الأمومة هو أعظم شعور، ولكن هذا الشعور لا يستطيع إصلاح ما تم إتلافه، ولا الشرخ الذي خلفه زوجي داخلي عندما أبعدني عما أحب، ولا يستطيع حتى تجميل الندوب التي دمرت كينونتي كإمرأة، فما يثبت أني إمرأة الان هو شيء واحد فقط!! أنني أنجبت وغير ذلك لا يوجد.
كنتُ أعتقد أن عند جلوسي مع زوجي سنناقش مواضيع جمة تُعد ولا تُحصى، قيّمة وشيّقة بعيدة كل البعد عن ماذا طبخت اليوم؟ وكيف حال الأولاد؟
وبأن فكرته ستكون مغايرة لفكرتي، فأسعى أنا لمحاولة إقناعه بالأدلة والبراهين وهو كذلك، لكن هذا ايضا لم يحدث بتاتا ولو حتى مرة واحدة.
ولطالما طمحت بأن أدخل ميدان العمل بعد تخرجي من الجامعة بشهادتي وأكون فخرا لأهلي الذين تعبوا في تربيتي، أكتشف كيف يفكر الناس، أدخل إلى ذواتهم، أعرف الطالح منهم والصالح، لكن زوجي الحبيب منعني حتى أن أكمل دراستي بحجة أن حاله ميسورة وليس بحاجة إلى مال، وبأن المرأة مكانها المنزل، وإمرأته بالذات يجب أن تكون مدللة، ويغار أن ينظر إليها أحد غيره.
من قال له بأني أريد أن اكون مدللة؟ منذ متى أصبح كتم النفس وقمع الحرية، واغتصاب الأحلام بدلال؟
لماذا يتذرعون دائما بالغيرة ويمارسون سيناريو الحب والكلام المعسول على زوجاتهم؟
فليس ثمة أحد يغار أكثر من إمرأة تحب زوجها ومع هذا تحاول قدر ما بوسعها أن تروض غيرتها لكي لا تشد الخناق على زوجها.
ولكن، زوجي لم يدرِ بأني أريد العمل لكي أحقق ذاتي، وأثبت نفسي لا لأجل المال، لكن حتى فرصتي بأن أجعل أهلي فخورين بي سلبها مني من أجله.
ربما سكوتي حثّهُ على قول هذا، فالسكوت علامة الرضى كما هو شائع، فلو قلت لا ولو مرة واحدة لما كنت وصلت إلى ما أنا عليه الان.
كنت أتهكم على صديقاتي اللواتي تزوجن وبقين دفينات المنزل الذي دفن احلامهن معهن، كنت أتسائل ما الذي دفعهن لفعل ذلك؟
ها أنا الأن أعيش ظروفهن، ولا أعرف ما الذي دفعني إلى ذلك؟
كنتُ أعتقد بأن التنازل يخدم الحب الذي بيننا، وبأن على المرأة أن تقدم الكثير من التضحيات في سبيل إسعاد عائلتها، ولكن بعد مرور الوقت إكتشفت بأن التنازل يصلح في أشياء كثيرة بإستثناءالحلم.
فعندما تتنازل مرة، تجبر على التنازل في كل مرة، وتصبح ضعيفاً وهشاً مرة تلو المرة، حتى تصل لمرحلة” لا يهمني شيء، لم يعد هناك قيمة للأشياء”، وما أسوأها من مرحلة!
نصيحتي لكل أنثى في عمر الزواج، لكل أنثى لها أحلامها، لا تتزوجي رجلاً ترين فيه انتقاصا ودمار لأحلامك بدافع الحب، قدمي التضحية ولكن إياكِ أن تجعلي حلمك كبش فداء لها.
لقد مَنّ الله عليك بالسير على اثنين، فلماذا تصرين على المشي بإسم الحب على أربع؟
لا تحققي رغباته وأمنياته لدرجة تشعره بأنك مصباح علاء الدين، فيصبح معتاد على الأخذ ولا يعرف سبيل العطاء. فتعطيه أنت الحياة لكي يعيش، وتنسين بأن تعيشي.
فالرجل يعلم جيدا بأنك اذا تنازلتي عن حلمك لأجله بإسم الحب، ستتنازلين مع الوقت عن كل شيء.
فإياك وفعلها!!
رسالتي الأخيرة لكِ أيتها الأنثى لأنكِ تستحقين كل الخير وكل الحب وكل النجاح، لا تتنازلي عن حلمك وعلمك وشغفك وطموحك تحت ذريعة الحب، فمن يحبك حقا سيعرف قيمتك وما تستحقين كإمرأة، سيعرف كيف يشاطرك فكرك وشغفك وأحلامك تماما كما يشاطرك سريرك، وإلا لا يستحقك.
فإذا كنت أنثى غير عادية، لا تقبلي برجل اقل مما هو عادي!

يتبع!!!

قياسي

نهاية رجل مقاوم

طفل صغير كان يلهو هنا وهناك في تلك الحارة الأبية، جل ما كان يملك البراءة وحسن النية، إلى أن يسمع صوت قنبلة او قصف مدفعية.. هنا كان يعلم بأنه فقد إحد رفاقه ولن يبقوا سويا، وهذه المرة سيرمي الطابة ولكن لن تعود له كما المرات السابقة لأنهم جميعهم باختصار أصبحوا تحت الثرى وأمسى وحيدا منسيا . أصبح يتسابق مع الزمن في لعبة شبه محسومة إما أن يشق طريقه نحو حلمه وهذا خياره الأول أو أن يستسلم و يستمر في اللعب الى ان تأتي قذيفة أخرى وتجعل من جسده الصغير النحيل أشلاء منثورة على الحيطان فيذهب بقافلة الشهداء الى رفاقه. حب الوطن تجذر فيه منذ صغره بالفطرة ، حب صادق ليس مجبور ولا منافق. فقد عزف على الأوتار لحن الحرية، في حب وطنه ألف أجمل قصيدة غزلية، طريق الكفاح كان بالنسبة له هو الهوية. حكمته الأولى كانت العز والإباء، وصية والديه له قبل الموت الإبتعاد عن الرياء.. هذا ما تجلى فيه حتى صنع من نفسه أيقونة لرجل مقاوم غدت سواعده تحيك من الليل عزا ومع إشراقة كل شمس تحصد نصرا…  نذر عمره في حماية أبناء جلدته من عدو غاشم أنهك قواهم، وفي كل ليلة كان يتصارع مع جفون عينيه كي لا تسهو.. وكم من المرات حرم من قوته اليومي لأنه لم يكن لديه الوقت لفعل ذلك.. باختصار نذر عمره مقابل الحفاظ على تراب الوطن.. الى ان احتدم العراك ، لبى النداء وهو يصيح أسرعوا أسرعوا، لم يتبقى لنا من الوقت شيئا إما أن تعيشوا أحرارا أو تموتوا، وأعلموا جيدا بأن من الممكن أن لا تعودوا… طلقة واحدة كانت كفيلة بأن تفتت جسده الذي أفناه في حب الوطن من دون أي استأذان، طلقة ليست كالباقي كانت مختلفة خائنة الى درجة انها أبت أن تكون إلا خلفية، لم تقوى أن تواجهه بجرأة كما كان يفعل.. طلقة لم يكن يتوقعها إلا من العدو الذي كان يكافحه دائما للقضاء عليه، لم يكن يتوقع بأن موته سيكون على يد الأشخاص الذي لطالما سهر وتصبب جبينه عرقا لكي يحميهم… هي الخيانة :قلة وفاءصعب تصورها، أكبر من أن يتخيلها عقل صادق، وقلب مقاوم مكافح.  ودعته تلك الأنثى التي كان قد أحبها منذ الطفولة الى اليوم الذي رافقته فيه الى القبر.. الأنثى التي كان يخبرها في كل مرة يراها بأنه أسف جدا لأنه لم يستطع أن يحبها كما أحب الوطن.

قياسي

أريد الإنتحار…

تجتاحُنا كثيراً لحظاتَ يأسٍ، ولحظاتَ إنكسار، لحظات نشعرُ فيها كمْ نحنُ أشخاص بلا قيمة وبلا فائدة، عالة على هذا الكوكب الأزرق الذي لِكل واحد فيه قصةٍ مختلفةٍ تُميزهُ عن غيرهِ فقط بكميةِ الحزنِ(من حزين أكثر). 

ولا أحد فينا يستطيعُ إنكارَ هذا الشيء وعدم الإعترافِ به، فليسَ فينا من يعيشُ في المدينةِ الفاضلةِ. نحنُ أبناء الوطن العربي، أبناء الحربِ والسلمِ معاً وبالتالي أبناء الإخفاقات والإنجازات، أبناء العادات والتقاليد المتناقضة، أبناء الحزن والسعادة.
نحنُ جميعاً وليدة ظروف مهترئة حتى وإن كُنا بالفعل سُعداء. لطالما فكرتُ بالموتِ وأردتُ أن أعرفَ ماهيتَه، لطالما راودتني أفكار كثيرة حولَ هذا الشيء المبهم. فكرتُ مرات عديدة أنْ أجربَهُ ولكنْ ليسَ نتيجة يأس أو إنكسار بلْ على العكسِ تماماً، أردتُ أنْ أجربَهُ بسببِ شدةِ حُبي وتمسُكي بهذهِ الحياةِ التي أعشقُها بالرغمِ من سيئاتِها الجمةِ. أردتُ أن أجربَهُ لغايةٍ في نفسِ يعقوب كما يقولون، وبالطبعِ لن أفعلَها، ولنَ أجعلَ فضولي يقودني إلى حيث لا رجعة، ولا إلى لعنةٍ دائمةٍ. 

فأنا إنسانة يحقُ لي أن أُفكر كما أُريد ولا يُمكنني تجنب هذا الأمر، فالتفكير يُحاصِرنا من كلِ حدبٍ وصوبٍ. لرُبما فضول الإنسان وحبه لمعرفةِ كل ما هو مجهول هو السبب على قاعدةِ كل ما هو ممنوع مرغوب.
أتوقُ كثيرا لإكتشافِ لغز الموت، أهو النهاية؟ أم هو البداية؟
جميعنا لدينا الفضول اتجاه الموت، نُريدُ أنْ نعرفَ سر هذا الشيء الذي سيخطفنا في اي لحظةٍ دونَ أن ندري. فضوليون نعم، ولكنْ خوفنا من الموتِ لا يتزعزع مهما بلغَ جبروتنا. هو الشيءُ الوحيدُ الذي نخافُ منه ولا نشعر بالحرجِ إن اعترفنا، ربما لأنه شيء مشترك بين الجميع، ولن ينتقص من كبريائِنا إن أدلينا به.
ما أجمل الإنتحار لو كان يضمنُ لنا طريق العودة، لو كان يضمنُ لنا غفران الله، كنا سنعرفُ أشياء كثيرة تثيرُ فضولنا ونود استكشافها.
فأنا لا انتحر لستُ لأني أخاف الله فقط، فحتى لو كان الإنتحارُ جائزاً وحلالاً ما كنتُ لأفعله. فقد كرمَنا الله عن الحيوانِ بعقلانيتِنا، فكيف لإنسان عاقل أن يردَ هدية مُنحت له بقتلها.
إني أرى الموتَ تجربة مميزة ولكن لا تستحقَ المجازفة لأنها اتية لا محالة، ولكن معرفة كيف تحيا هو تجربة إستثنائية لا تتكرر.
كثيرا ما سمعتُ أن فلان إنتحر رمى نفسه من طابقِ منزله، واخر أحبَ أن ينتحرَ فتناولَ أقراصً مخدرة، أما الأخير فأرادَ أن تكونَ موتته أسرع وأسهل وفيها أقل قدراً من العذابِ فأطلقَ على نفسِه النار.
لا يمكنني أن أبررَ لهم، ولا أعتقد بأن الإنتحارَ هو حرية فردية، فليسَ من حقِ أحد أن يُنهي على شيءٍ ليسَ ملكه بل ملك أحد أخر، فما يُنهيه بالإنتحارِ هو أمانة ربانية بإمتيازِ.
لا ألوم ذاك الذي ينتحرُ بسببِ مرضٍ نفسي تملكه، ولكن لا أقدر شخص يضع حداً لحياتِه بسببِ خلافٍ عائلي، أو فرصة عمل، أو هجران حبيب، أو فقدان قريب. 

لا أريد أن أجلدَهم كما يجلدهُم المجتمع ويُجردهم من إنسانيتِهم غير أبه لمعاناةِ أسرهم.لا أريد أن ألعبَ دورَ الجلادِ الذي يضرب من لا يُعجبه ويتناقض معه بالسياطِ. نعم لا أريد، فأنا لم أُخلق لهذه المهمة. فلا يحق لي أن أُحاسبهم، لم أعِش ظروفهم لكي أحكم عليهم، لم أكنْ معهم عندما كانت النزاعات والصراعات تتخابط داخلهم. نعم لا يحق لي… 

ولكنْ أو ليسَ لي أن أفتقدهم؟ أو ليسَ لي أنْ أحس بأرواحِهم التي خسرتها؟ أو ليسَ لي أن أقدرَ قيمتهم كإنسان؟ أو ليسَ لعيني أن تدمع مع رحيلِهم؟

ترى بماذا كانوا يفكرون وهم مقبلون على الإنتحارِ؟ كيف قضوا أخر لحظاتهم؟
أستغربُ كثيراً منهم، ألمْ تكن عندهم غريزةَ حب البقاءِ الموجودةِ عندَ كلِ كائن حي وُجد على الأرضِ؟ هل كانتْ همومهم وسَرِيرَتهم أكبر من الفطرةِ التي خُلقوا عليها؟ ينتابني شعور الغرابةِ عندما أفكر بهذا الأمر.
أتذكرُ صديقة لي حاولت الإنتحار من خلالِ قطع شرايين معصمها لأن الشخصَ الذي أحبتهُ تركها، وقد باءَتْ محاولتها بالفشل، أخذت تتنهد وتصرخ بشدةٍ حينها لأن حياتَها لم تنتهي وعليها تحمل المزيد من الألم. أما الان أراها نفسها تعيشُ حياةً سعيدةً برفقةِ رجلٍ أحبها وأحبتهُ مع ابن صغير يزينُ حياتها التي كانتْ تنوي التخلي عنها في السابقِ. فبين المشهدِ الماضي والحالي اختلاف وتباين. 

فالإنتحار ما هو إلا لحظة ضعفٍ ووهنٍ، لحظةُ تستسلمُ فيها النفس وترضخُ ذليلةً للظروف. لحظةُ يعلنُ فيها المنتحر حربَ على ذاتِه التي تتصارعُ فيما بينها، ليلتقط بدورهِ في ذروةِ الصراعِ سلاح أو جرعة دواء زائدة ليقتلعَ المشكلة من جذورِها، فيخلف وراءه مشاكل أكبر. وأني أظن أن كل أسباب الإنتحار يعود سببها لل” تعلق”. التعلق بأشخاصٍ، التعلق بظروفٍ، التعلق بذكرياتٍ، فمن ليسَ له تعلق عميق بأشياءٍ زائلةٍ وعوالق أرضية لا ينتحر. نحنُ لا نستطيع أن نجبرَ ذواتنا على أنَ لا تحزن ولا تيأسَ ولا تشعر، فنحن بالنهايةِ بشر من لحمٍ ودمٍ، ولكنْ يمكننا إجبار ذواتنا على أن لا تنتحر.
فعزيزي المقبل على الإنتحارِ التي تراودك فكرته دائما، عليكَ أن تعي أشياء كثيرة قبل ذلك. قد تجتاحكَ مشاعر سلبية تُنهك قِواك وتُفتت ذاتك، قد تشعر بأنك هش كورقةٍ يابسةٍ تنتظر سقوطها. لكن لا، أنت لست وحيداً كما تعتقد، ما هذه اللحظات التي تمرُ بها سوى فترات مؤقتة ذاهبة. وإذا كنت تظن بأنك عبئا على احبابكِ وخلانِك، فبرحيلِك لن ينتهي العبء بل سيتفاقم عليهم إلى ما لا نهاية، ستخلفُ وراءك ندبة وجرح عميق في قلب كل من يحبك قد يدفعهم للإنتحار ايضا.
فأنت، نعم أنت، بإمكانك ان تصنع فارقاً كبيراً بمجردِ بقائك على قيدِ الحياةِ، وثقْ دائماً أن الحياةَ بحاجةِ لشخص مثلك، إذ أن لكل واحد فينا دوره المختلف، وبرحيلك لن يكون هناك من يسد مكانك المقفر. تمرد على الوحدة، على الشحنات السلبية، على الهموم والأحزان. فأعظم انتصار هو التمرد على الحياة من أجل الحياة.

قياسي

أم رامي وولدها.. على أمل اللقاء

في منزل صغير بإحدى القرى اللبنانية تحديدا في منطقة البابلية الجنوبية، تنبعثُ إشعاعات الكآبة والحزن على من رحلوا طي النسيان أو طي الفقدان إن صح التعبير.

هناك تجلس الحاجة أم رامي على شرفة منزلها الذي لا تتوافر به أدنى مقومات العيش، علَها تلمح طيف إبنها العشريني يقبل عليها بعد خمس سنوات من الإنتظار. فتحت تلك الغيوم العابسة والوان الأفق الكئيب تجلس أم رامي تحيك من الأيام إنتظار يطول يوم بعد يوم وتنسج من ذكرياتها مع إبنها حكاية سعيدة تلوذ إليها كل ما أحست بالشوق اليه.

أم رامي، تلك المرأة الصلبة المكافحة، ربة العائلة المكونة من ستة أفراد بعد أن كانوا سبعة بوجود رامي بكرها، خمس بنات وابن صغير. هي إمرأة  لبنانية تزوجت بسوري وقضت معه أجمل أيام حياتها على الأراضي السورية في مخيم اليرموك قبل أن تندلع الحرب التي قضت على كل شيء جميل في ذاكرتها, لتعود إلى بلدها الأم حاملة خيبة كبيرة وجرح أكبر. فما دفعها للعودة لم تكن الحرب بشكل أساسي بل خوفاً من أن تخسر أحد أبنائها بعد أن فقدت بِكرها الذي إستفاقت على نبأ فقدانه في يوم كان صوت القذائف فيه يخيم على المكان.

فقد جاء أخ زوجها في الثامن من آذار عام 2013، وأخبرها أن الأمن العام السوري إقتاد إبنها إلى جهة مجهولة من أجل أمر ما. لم تخف حينها لأنهم كعائلة معروفيين بأنهم يؤيدون النظام السوري, لكن ما حصل لاحقاً لم يكن في الحسبان, حيث إختفى رامي وأختفت معه كل أحلامها بأن تزوجه وترى ذريته قبل مماتها, إختفى وأختفت معه  سعادتها, فكل ما تزور فرع للشرطة أو المخابرات يجيبوها بأنه في فرع آخر, بالمقابل هناك من يقايضها بالمال من أجل إعطائها معلومة إن كان ابنها على قيد الحياة او لا فقط، هكذا هي حالتها طوال الأربع سنوات الماضية.

أم رامي هي نموذج لكثير من النسوة في سوريا اللواتي  فقدن  أولادهن بذريعة الحرب من دون أن يعرفن مصيرهم او اي معلومة تطمئن قلوبهن وتسد رمق عطشهن لرؤيتهم.

فبالرغم من أنها رأت جثة تشبه تماما تفاصيل إبنها كان قد نشرها ضابط منشق عن النظام السوري هي ومجموعة من الصور لأشخاص قتلوا تحت التعذيب في السجون إلى أنها أبت أن تصدق ذلك, لأن الكثير من المصادر الداخلية في النظام أكدت لها بأن ولدها لا يزال حياً. 

فأم رامي اليوم تعيش وسط نارين تائهة بين روايتين، الرواية الاولى تفيد بأن رامي قتل تحت التعذيب ولم يعد موجودا، ورواية اخرى تفيد بأنه لا يزال موجودا في أحد السجون السورية ربما سجن عدرا أحد أشهر السجون السورية والذي يستوعب عدد كبير من المساجين.

جثة أم على قيد الحياة,لا تعلم.  لاتعلم أم رامي من عليها أن تصدق, وكم عليها أن تنتظر, وكم مرة ستنام من دون ان تغلق الابواب عسى ابنها ان يعود اليها يوما. فهل تصدق ما رأته عينيها في الصورة أم تصدق قلبها الذي يؤمن بأن ولدها لا زال حيا.

فتحت حافلة القدر وبسبب حرب همجية تحطمت السعادة وانكسرت القيود، لكن ام رامي ابت ان تستسلم للواقع وأبت ان تكون ذليلة الرأس، وها هي تجلس كل يوم تنتظر لقاء أشبه بالمستحيل لكنها ترفض الإعتراف بذلك.

قياسي

نجاة رحلت ورحل سرها معها

“انا الموقعة ادناه ن. و. ل, انا قررت اوضع حد لحياتي، ما حدا خصو , انا تعبت من كل شي, ما بدي شي الّا زياد ينتبه على الأولاد..”
هكذا ودعت نجاة هذه الحياة وتناولت حبوب الترامال واضعة حدا لحياتها، تاركة وراءها زوجها زياد واولادها.
 حيث اضافت في رسالتها التي كتبتها قبل انتحارها  “انا تعبت تعبت تعبت..” طالبة من الذي يجد الورقة ان يتصل بزوجها زياد، تاركة رقم هاتفه.
وانهت الرسالة بتجديد طلبها ” زياد انتبه عالأولاد.. دفنوني بجورة الترمس مش بغادير”, قاصدة ان تُدفن في مسقط رأسها وليس مسقط رأس زوجها.
ترى ما الذي يدفع إمرأة متزوجة لديها اولاد وتعيش حياتها في كنف منزل زوجها إلى الإنتحار؟
ما الذي يدفعها الى انهاء حياتها تاركة وراءها زوج واولاد سيصبحوا يتامى؟
هل هو سبب اقتصادي مرت به دفعها الى هذا الفعل؟
هل هو سبب خلافات زوجية مرت بها؟ لا اعتقد هذا لأن نص رسالتها يثبت عكس ذلك بالإضافة الى كلام اهلها.
هل هو شعور باليأس والقنوط لهذه الدرجة؟ وان كان نعم من اين جاء هذا اليأس؟
هل لنا ان نحزن على هذه الأم، أم نجلدها؟
ندعو لها بالرحمة، او ندعو عليها لتركها عائلتها؟
هل نلعب دور الرقيب ونمارس التشكيك؟

هل يصح الانتحار فقط ان كان الشخص مدمن او عاطل عن العمل او تعرض لخيانة ما، او ديون، او خسارات مادية.
هل لا نلومه على فعل الانتحار، فقط ان اقنعنا بالسبب؟
نجاة انتحرت ربما بسبب اكتئاب نفسي تملكها، هم كبير سيطر عليها وجعلها تقبع تحت سيطرته من دون ان تستطيع ان تفلت من سطوته.
شعور اكتئاب ربما لم تستطع اخباره لأولادها حفاظا عليهم، ولم تقدر مشاركته مع زوجها ربما لأن البوح كان صعب عليها.
نجاة ربما عاشت وضع نفسي مرهق قبل ساعات انتحارها، صراع مع الذات ومع المجتمع، لربما كان يوجبها دكتو نفسي يخفف وطأة الأكتئاب عليها او الطاقة السلبية.
نجاة رحلت ورحل معها سرها.

قياسي